أبي طالب المكي

72

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

به قال : لا قال : هل أنست به قال : لا قال : فهل رضيت عنه قال : لا قال : فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال : نعم قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك أنّ معاملتك خمسين سنة مدخولة ، أراد بذلك أنه لم يقربك فيجعلك في المقربين فيكون مزيدك لديه من أعمال القلوب ، وكذلك يصنع بأوليائه ، إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين ، فمزيد العموم من أعمال الجوارح . وقد يكون الرجل مخلصا في مقامه وإن كان فوقه فوق . وقد روينا عن ابن محيريز ، وكان من عباد أهل الشام وعلمائهم ، كلمة غريبة المعنى دقيقة في معنى المخالفة لله عزّ وجلّ ، وإن كان قد فسرها فإنه لم يكشف معناها لفهم السامعين منه والحاضرين عنده فيحتاج تفسيرها إلى تفسير . روينا عنه أنه قال : كلكم يلقى الله تعالى ، ولعله قد كذبه وذلك أن أحدكم لو كان له أصبع من ذهب ظل يشير بها ، ولو كان به شلل ظل يواريها ، يعني بذلك أن الذهب من زينة الدنيا . وقد ذم الله تعالى الدنيا وأنّ البلاء زينة أهل الآخرة وقد مدح الله الآخرة ، أي فأنت إذا أعطاك زينة الدنيا أظهرتها وفخرت بها وإذا أعطاك زينة الآخرة وهي المصائب والبلاء كرهتها وأخفيتها لئلا تعاب بذلك ، فحسب عليه حب الدنيا والتزين بها وكراهة البلاء تكذيبا لله وردا عليه ما وصفه . وهذا يدخل في باب الزهد وفي باب الرضا ، ويدخل على من أخفى الفقر والبلاء حياء من الناس لئلا يعاب بذلك ، فهو من ضعف يقينه بقوّة شاهد الخلق . ويدخل فيه من أظهر الغنى من غير نية ولا تحدث بنعمة الله . فذلك أيضا من قوّة شاهد حب الدنيا . وكذلك قال أبو سليمان الداراني : ثلاث مقامات لا حدّ لها ، الزهد والورع والرضا . وخالفه سليمان ابنه ، وكان عارفا . ومن الناس من كان يقدمه على أبيه فقال : بلى ، من تورع في كل شيء فقد بلغ حدّ الورع ، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حدّ الزهد ، ومن رضي عن الله في كل شيء فقد بلغ حدّ الرضا ، ولا ينقص الراضي من مقام الرضا مسألة مولاه مزيد الآخرة وصالح الدنيا ، تعبدا بذلك وافتقارا إليه في كل شيء لأن في ذلك رضاه ومقتضى تمدحه بمسألة الخلائق له . فإن صرف مسائله إلى طلب النصيب من المولى وابتغاء القرب منه حبّا له وآثره على ما سواه كان فاضلا في ذلك ، لأنه قد ردّ قلبه إليه وجمع همه بذلك . وهذا على قدر مشاهدة الراضي عن معرفته ، وهو مقام المقربين ومقتضى حاله ، لأنه يسأل عن عمله بعلمه في وقت من أحواله كما يسأل عن جملة عماله بعلومه في جملة عمره . وهذا أصل فاعرفه ، فهو طريق الصوفيين وعليه عمل العارفين من السلف ، فلم يكن يضرهم عندهم خلاف من خالف . وإن كان دعاؤه تمجيد السيد وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره وولهاً بحبه ، لأنه مستوجب لذلك بوصفه ، ولأنه واجب عليه ، فقد استغرقه وجوب ما عليه عماله . فهذا أفضل وهو مقام المحبين ، وهو من القيام بشهادته . وقد دخل فيما ذكرناه من مقتضى